طبيب عمّر المقابر وحلاق سلخ الرأس وجاموس بين المشايخ: هجاء ساخر لأصحاب المهن

الاثنين 11 مارس 201902:45 م
في فترات الضعف الاقتصادي ينشط شعر الهجاء، سخريةً وهجوماً على الأوضاع الفاسدة، وهو ما حدث في فترة الحملات الصليبيّة على الشام ومصر، التي امتدّت على مدار قرنين تقريباً، من نهايات الحكم الفاطمي لمصر، والسلجوقي للشام، مروراً بالعصر الأيوبي، حيث أعيد توحيد مصر والشام، وحتى العصر المملوكي الذي ورث الدولة الأيوبيّة. رصد الباحث بجامعة مؤتة مفلح ضبعان الحويطات ما سبق، في دراسةٍ بعنوان "شعر الهجاء في مصر والشام زمن الحروب الصليبيّة"، تعتمد عليها المقالة في عرض أمثلة عن هجاء المهن. هاجم الشعراء في هذا الزمن كل شيء تقريباً، بدءاً من الأمراء والمسؤولين، وأعدائهم من الفرنجة والمغول، مروراً بالمدن والمرافق العامّة، وصولاً إلى الأهل والأقارب. ولكن الكوميدي في الهجاء -في أغلب جوانبه- كان هجاء أصحاب المهن والصنائع، بل وهجاء المهن نفسها ومنها احتراف الشعر، وهو ما نرصده هنا.

الأطباء.. عمَّروا باطن الأرض بالموتى

شاع هجاء الأطباء في ذلك العصر، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على انتشار مهنة الطب وقتها، بجانب دلالته على أخطائهم الفادحة في عملهم، فقال أحدهم ساخراً من طبيب جاهل: ما خطرَ النبضُ على باله يوماً ولا يعرفُ ما الماءُ بل ظنّ أن الطبّ دَرّاعَةٌ ولحية كالقطنِ بيضاءُ ومن ذلك ما قاله أمية بن الصلت في طبيبٍ جاهلٍ يلجأ إلى الرقى والشعوذة في مداواة المرضى، حيث يقول: وطبيبٌ مُشعبِذٌ يمزج الطب بالرُّقَى ما رأيناه قط طبَّبَ عليلاً فوُفِّقا بل عدم الصحّة في الجسم والقلب والبقا ذو صفات تغادر الجسم مما به لقى عادماً للحراك والحسّ والخفّ والنّقا قد سقاه به الحِمام ولم يدر ما سقى أما ابن خروف الأندلسي فيحصي من أخطاء الطبيب الدمشقي "عبدالرحيم بن علي بن حامد (تـ.627هـ)، الشهير بـ"الدخوار"، فيقول: إن الأُعَيْرَج حازَ الطبَّ أجمعه ... أستغفر الله إلا العلم والعملا وليس يجهل شيئاً من غوامضه ... إلا الدلائل والأمراض والعللا في حيلة البُرءِ قلت عنده حِيَل ... بعد اجتهاد ويَدري للرَّدَى حِيَلا الروح تسكن جثمان العليل ... على عِلّاته فإذا ما طبَّه رَحَلا ويُكثر الشاعر فتيان الشاغوري من هجاء طبيبٍ يسمى "نصراً"، مُبرزاً كثرة من يفقدون حياتهم على يديه، حيث يقول: إن دام طبّك هذا يا نصر في كفر عامر عمرت عما قليل بساكنيها المقابر فظاهر الأرض قفر وباطن الأرض عامر ونلحظ هنا تلاعبه الفكاهي بلفظ "عامر"، حيث جعله في مرّة تعبيراً عن بلد عامر، وفي مرّة جعل باطن الأرض في هذا المكان هو "العامر بالموتى"، تعبيراً عن كثرة من يموتون على يد هذا الطبيب من المرضى.
"لا أسعدَ اللهُ مسعوداً فَصَنْعَتُه كوجِهه كلُّ قُبْحٍ منه مُخْتَصَرُ"، من هجاء المهن، شعر ساخر ازدهر في فترات التوتر العسكري والضعف الاقتصادي
هاجم الشعراء في فترة الحروب الصليبية كل شيء تقريباً، بدءاً من الأمراء والمسؤولين، وأعدائهم من الفرنجة والمغول، مروراً بالمدن والمرافق العامّة، وصولاً إلى الأهل والأقارب.

القضاة.. بهم نزل البلاء من السماء

لطالما استاء الكثيرون في عصور مختلفة من القضاة، فالقضاء مهنة حسّاسة، وفي الغالب تنتهي جلسات التقاضي، وقد أوقع القاضي عقاباً بشخص وإنصافاً لآخر، ولطالما طاله الاتهام بالفساد والظلم. وجسّد أبوالمجد المعري بعضاً من ذلك، حين وصف سوء ما وصلت إليه أحوال الناس، نتيجة ظلم بعض القضاة الذين باتوا كـ"الذئاب المفترسة"، حيث يقول: تولّى الحكمَ بين الناس قومٌ ... بهم نزلَ البلاءُ من السماءِ كأنهم الذئاب إذا تعاوتْ ... سواغبها على آثارِ شاءِ يقول القائلون إذا رأوهم ... لقد جارَ القضاءُ على القضاءِ نلحظ هنا قلب الموازين، فبدلا ًمن أن يقيم القاضي العدل، يتحول إلى خصم لا يؤتمن. ويعبّر المؤرّخ الشهير أبوشامة المقدسي (بحسب كتابه: الذيل على الروضتين)، عن حالة أخرى، حين تولّى القضاءَ ثلاثة قضاة اشتهروا بالفسق والجور، ذاكراً أسماءهم في أبياته التي تقول: دمشق في عصرنا مع فضلها بليتْ ... من القضاةِ بجهّال وأوقاحِ بأعجمين ومصري وصائغهم ... والأربلي وخيّاط وفلاحِ وتتردّد نغمة الاستياء حين عيّن الظاهر بيبرس أربعة قضاة يمثّلون المذاهب الفقهيّة الأربعة في دمشق، وفي ذلك يقول أبوشامة المقدسي: أهل دمشق استرابوا من كثرة الحكّامِ وهم جميعاً شموس وحالهم في ظلامِ وقال أيضاً سلامة السنجاري، في ذمّ قاضٍ فاسد مرتشٍ: ضاق بحفظ العلوم ذرعاً ضيقة كفّيه بالأيادي قاضٍ ولكن على المعالي والدينِ والعقلِ السدادِ يعدل في حكمه ولكن إلى الرشا أو عن الرشاد وفي ذمِّ قاضٍ منافقٍ، يُبدي الزهد في الظاهر، وفي باطنه الطمع، حريص على تفاقم الخصام والتشاحن بين الناس، يقول أبوالمشرف الدجرجاوي: قاضٍ إذا انفصل الخصمان ردّهما ... إلى الخصام بحكمٍ غير منفصلِ يُبدي الزهادةَ في الدنيا وزخرفها ... جهراً، ويقبل سرّاً بعرةَ الجملِ مهلّلُ الدهر لا في وقت هيللة ... ويلزم الصمت وقتَ القولِ والعملِ 

خطباء المساجد.. جدال بين البغل والجاموس

وتهكّم ابن عنين من جمال الدين الدولعي، خطيب دمشق، من طول خطبته وملالتها، قائلاً: طوّلْت يا دَولَعِي فقَصّر ... فأنت في غير ذا مُقَصِّر خطابة كلها خُطُوب ... وبعضها للورى منفّر ووصف ابن عنين في سخرية أيضاً فقيهين يتناظران، بالبغل والجاموس، لجهلهما، وافتقارهما إلى الحجّة والمنطق: البغل والجاموس في جدليهما ... قد أصبحا مثلاً لكل مناظر برزا عشيّة ليلٍ فتناظرا ... هذا بقرنيه وذا بالحافر ما أحكما غير الصياح كأنما ... لقنا جدال المرتضى بن عساكر جلفان ما لهما شبيه ثالث ... إلا رقاعة مدلويه الشاعر والمقصود بمدلويه الشاعر هنا هو الرشيد النابلسي.

الموظفون الحكوميون.. نيران شرّ كفانا الله شرهم

تناول الشعراءُ الانحرافات التي استشرت بين موظفي ومستخدمي الدواوين الحكوميّة، من رشوة وفساد وغيرها، فقال ابن مِقْدام المَحَلَّي: وكتاب لهم أبداً حُمَاتٌ ... تعدّ لها الرقى مثل الصلالِ وكلهم يَجُرُّ إليه نفعاً ... فعادته احتجابي واعتزالي بأيدي تَبْتَدِرْنَ إلى الرشاوى ... كأيدي الخيال أبصرت المخالي وقال البوصيري: أرى المستخدمين مشوا جميعاً ... على غير الصراطِ المستقيمِ معاشر لو ولّوا جنات عدن ... لصارتْ منهم نارَ الجحيمِ فما من بلدة إلا ومنهم ... عليها كلّ شيطانٍ رجيمِ فلو كان النجوم لها رُجُوماً ... إن خلت السماء من النجومِ ويقول البوصيري أيضاً موجّهاً النصح إلى أحد الولاة: إذا تفكّرت في المستخدمين بدا ... منهم لعينيك مالم يبده النظرُ ظنوهم عمروا الدنيا ببذلهم ... وإنما خربوا الدنيا وما عمروا فطهِّر الأرض منهم إنهم خبث ... لو يغسلونهم بالبحر ما طهروا نيران شرّ كفانا الله شرّهم ... لا يرحمون ولا يبقون إن ظفروا

الكحّالون.. لهم كحل أعاذنا الله منه

وعن الكحّالين الذين ألحقوا ضرراً بأعين الناس، قال هبة الله في كحّالٍ يدعى "ابن المد": لنجْل المدِّ عبدٌ ضرّ خَلْقاً بميلٍ مالَ عن طرقِ النجاحِ إذا ما حلّ في الأجفانِ أبدى به وخْزَ الأسنّة بالرماحِ له كحلٌ أعاذ الله منه يسوق السقمَ للحَدَقِ الصحاحِ إذا كَحَلَ العيون به تساوت دجى ليلِ المريضِ مع الصباحِ

المطربون والمطربات.. غَنَّوا فكُل حاضر إصبعه في أذنه

وشبّه عرقلة الكلبي صوت مغنٍّ يسمى "علي" بالسياط تنزل على آذان مستمعيه، حيث يقول، في ردائة صوت مطرب وعدم ملائمة صوته للإيقاع الذي يغنّي عليه: ينافرُ إيقاعُه صوتَه فهذا يزيدُ وذا ينقصُ ويتبعُه زامرٌ مثلُه تليعٌ لهُ نَفَسٌ أوقصُ فإن قام ما بيننا راقصاً فكلٌّ إلى بيته يرقصُ تليع: أي طويل الرقبة. أوقص: أي قصير الرقبة. الزامر: من يعزف المزمار خلف المطرب. والمقصود هنا أن الزامر طويل الرقبة ولكن نفسه قصير، فلا يجيد العزف. والرقص: مقصود بها الإسراع. أي إذا ما قام هذا المطرب يرقص، أسرع مستمعوه إلى بيوتهم. ولم يكن قبح الصوت وعدم ملائمته مع الإيقاع فقط من العيوب، وإنما أيضاً عابوا على الشعر المُغَنَّى. وفي ذلك يقول ابن قلاقس في ذمّ مغنٍ آخر: غَنَّى فكُل حاضر إصبعه في أذنه شعراً كبرد كفّه لفظاً وطول قرنه فالحمدُ لله الذي غنّى فلم يُثَنِّه وعبّر الخطيب الحصكفي ما لاقاه أحد المطربين من إعراض وصدود الناس عنه، فلا يكاد يستمع إليه أحد إلا كرهاً، إضافة إلى منعه من دخول أكثر البيوت، بل تجاوز الأمر ذلك، فلم يسلم من الضرب والصفع، بفعل ما أثاره من رتابة وملل في نفوس مستمعيه: ومُسمِع قَوله بالكُرهِ مَسْمُوع مُحَجَّب عَن بيوت الناس ممنوع غنى فبَرّق عينيه وحرّك لحـييه فقلنا الفتى لا شك مصروع وقطّع الشعر حتى ودّ أكثرنا أنّ اللّسان الذي فيه مقطوع لم يأت دعوة أقوام بأمرهم ولا مضى قط إلا وهو مصفوع أما المغنيات (القيان) فلم تكن أصواتهن كافية، بل لابد أن يكنّ على درجة من جمال الشكل أيضاً. وسخر القاضي الفاضل من مغنية (قينة) كبيرة الأنف، وقال: وقينةٌ كل وجهها أنفُ كأنما وجهها له خلف غنّت فلم تبق فيّ جارحة إلا تمنت أنها كف

الحلاقون.. ألطف لمس من أصابعهم "سلخ"

بالغ ظافر الحداد في رسم صورة ساخرة لحلاق (مزين) يسمى "مسعوداً"، الذي يبدو أن يده كانت ثقيلة على رأس من قصّ لهم شعرهم، فقال إنه يسلخ جلد الدماغ لا يحلق، ولذلك فإنه كفيل بأن يحلق لك مرة واحدة، وبعدها لن تذهب إلى الحلاق أبداً: لا أسعدَ اللهُ مسعوداً فَصَنْعَتُه كوجِهه كلُّ قُبْحٍ منه مُخْتَصَرُ لا يَحْلِق الرأسَ إلا مرة وبها تُغْنيه عن عودةٍ ما مَدَّة العُمُر لأنَّ أَلْطَفَ لمسٍ من أَنامِلِه سَلْخٌ وهل بعد سلخٍ ينبت الشَّعَر فلو نَوى حلقَ رأسٍ في ضَمائِره بفطنةٍ كاد منه المخ ينتثر

شعراء يلعنون الشعر بعد أن عملوا في الجزارة والكحالة

وثمة ظاهرة بارزة في شعراء عصر الحروب الصليبيّة، وهي هجاء بعضهم لمهنهم وتبرّمهم من أحوالهم المعيشيّة، فمن هؤلاء الشعراء من عمل حدّاداً وورّاقاً، وغيرها من مهن، كي يستطيع العيش، لأن مهنتهم كشعراء لم تعد تكفيهم. وعن ذلك يقول ابن منيرة الكفرطابي، شاكياً كساد سوق الأدب: يا قوم خاب مطلبي ... لا أخذ الله أبي لأنه درّسني ... أصناف علم العربِ وعنده أني بها ... أحوي جزيلَ النسبِ فما أفادتني سوى ... حرفةُ أهل الأدبِ فليته درّسني ... في الطينِ أو في الحطبِ أو ليته علمني ... صنعته وهو صبي فإنّ نَسْجَ الكُبَبِ ... نظيرُ نَسْخِ الكُتُبِ ولعلّ من أسباب ذلك أن الكثير من سلاطين وأمراء المماليك لم يكونوا يجيدون العربيّة، فلم يستطع الشعراء مدحهم لأخذ الأموال نظير ذلك. وصوّر السراج الورّاق ذلك، في بدايات العصر المملوكي قائلاً: وكان الناسُ إن مُدحوا أثابوا ... وللكرماءِ في المدحِ افتخارُ وكان العذرُ في وقتٍ ووقتٍ ... فصرنا لا عطاءُ ولا اعتذارُ ومع ذلك لم تتحسّن أحوال الشعراء حين امتهنوا مهناً أخرى، فنجد ابن دنيال يُبدي استياءه من حرفة الكحالة، التي لم يكن يحصل على الدرهم منها إلا مكابدةَ وعناءاً، حيث يقول: يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وثروتي فيهم وإفلاسي ما حالُ مَن درهمُ إنفاقه ... يَأخُذُه من أعين الناس والتورية واضحة في قوله "من أعين الناس"، حيث يقصد أنه يتحصّل على الدرهم الذي ينفقه من إكحاله أعين الناس بطريقة صعبة كأنها إرغام لهم، وهي صنعة لم تنتشله من إفلاسه. أما أبوالحسين الجزّار فكان دائم الشكوى من حرفة الجزارة، وقلة ما يتحصل عليه منها، رغم تعبه ومعاناته، حيث يقول: حَسْبِي حرافًا بِمِهْنَتي حَسْبِي ... أصبحت فيها مُعذَّبَ القلبِ موسّخَ الثوبِ والصحيفةِ من ... طول اكتسابي بلا كسبِ أعمل في اللحم للعِشاء ولا ... أنال منه العَشَا فما ذنبي خلّى فؤادي ولي فم وسخ ... كأنني في جزارتي كلبي

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard