قدمان على الأرض وأفكار تولد في الهواء.. عن ثقافة المشي هنا وهناك

الثلاثاء 12 مارس 201901:18 م
ثمة سحر غريب لفعل المشي لا يدركه إلا من يتورّط في هذا النوع من الحبّ؛ إنه الرحلة والطريق والغاية في آن واحد؛ حيث الرغبة في السّير على القدمين تتحوّل بمرور الأيام إلى لحظات تأمّل وتجرّد من أعباء الحياة اليومية. أليس فعل المشي بحدّ ذاته تعبيراً عن التوازن ونحن نضع قدماً أمام أخرى؟! غزيرة هي الأفكار التي تنهمر علينا بتدفّق أثناء المسير، وكم تختلف بنوعيّتها عن تلك التي تنتابنا ونحن جالسون في أماكننا نتّكئ في كسلٍ إلى حواشي الأرائك. تُبدد الخطواتُ ثقلَ اللحظات الواقعية، وتحوّلها إلى لحظة حرّة لو تركنا حواسنا تلتقط كلَّ ما تمرّ به من حجر وشجر وبشر وزهر، من ابتسامات عابرة لغرباء تقاطعت معهم السبل، أو ببساطة  عبر استدعاء حدثٍ أو شخصٍ ما، يسكن في الذاكرة، وينبثق حاضراً خلال السير. يعتبر بول أوستر أن الكلمات تولد ونحن نمشي، ويتّفق نيتشه مع هذه الرؤية قائلاً: "أعظم الأفكار جاءت إليّ وأنا أمشي". أما الروائي الياباني هاروكي موراكامي فيغتبط لتسميّته بالروائي العدّاء. ليست هذه الأسماء فقط التي رأت في السّير عملاً عظيماً، بل هناك الكثير من المفكرين الذين يتحدثون بعمق عن فنّ المشي، ويكشفون مركزيته في حياتهم اليومية وما ينطوي عليه من مُتعٍ بدنية، ومسرّات روحية وذهنية.
هناك الكثير من المفكرين الذين يتحدثون بعمق عن فنّ المشي، ويكشفون مركزيته في حياتهم اليومية وما ينطوي عليه من مُتعٍ بدنية، ومسرّات روحية وذهنية.
وفي ما يتعلّق بالمرأة فلم يكن المشي في حدّ ذاته مطروحاً كغاية، بل ارتبط مع النساء في الزّمن الماضي بمزيدٍ من القيود، اذ ظلّ السيرُ في الشوارع مقترناً في المخيلة العربية بالغزل والتثني، وهذه الرؤية قديمة جدّاً، قد تعود إلى أبعد من غزل عمر بن أبي ربيعة وتشبيبه بالحسناوات.
يختلف المشي على الأرصفة وفي الشوارع العريضة التي تستقبل المشّائين بترحاب، عنه في الأزقّة والحواري الضيقة المنغلقة على نفسها. يمكن أيضاً اعتبار ثقافة المشي جديدة على ثقافتنا، وقادمة إلينا من الغرب مع أفكارٍ أخرى تتحدّث بتركيز عن أهمية الرياضة عموماً في حياتنا، وعن تأثير المشي على جملة من الوظائف البيولوجية والنفسية. في تصميم المدن العربية الحديثة صار هناك مراعاة ضمن التخطيط العمراني لتركِ مساحاتٍ رحبة للبشر الراغبين بممارسة المشي، أو ركوب الدرّاجات. وغالباً ما تكون مثل هذه المساحات على الشواطئ في المدن التي تطلّ على السواحل، أو على ضفاف الأنهار في المدن النهرية. نلاحظ في التشكيل الجغرافي للعواصم العربية القديمة مثل القاهرة وبيروت ودمشق والرّباط وجودَ جزء قديم منها يكتشف الزائرُ له انزلاقَه بغير إرادة منه إلى استدعاء الماضي مع الأزقّة المنعطفة، والبيوت ذات الأبواب الضيقة التي تنفرج على مساحاتٍ داخلية واسعة في صحن الدار. لم يكن المشي يُحظر في مثل هذه الأحياء إلا لقضاء الأمور، وهذا يعود في جزء منه لأسبابٍ تاريخية، بعضها يتعلّق بالإستعمار، وبعضها يرتبط بطبيعة الشخصية العربية الميّالة إلى مزاولة العمل والعودة إلى المنزل عند مغيب الشمس. أما في ما يتعلّق بالمرأة فلم يكن المشي في حدّ ذاته مطروحاً كغاية، بل ارتبط مع النساء في الزّمن الماضي بمزيدٍ من القيود، اذ ظلّ السيرُ في الشوارع مقترناً في المخيلة العربية بالغزل والتثني، وهذه الرؤية قديمة جدّاً، قد تعود إلى أبعد من غزل عمر بن أبي ربيعة وتشبيبه بالحسناوات. وتباعد الزمن لا يعني زوالَ الظاهرة تماماً، حيث يكفي ما يطالعنا من أخبار عن حوادث تحرّشٍ تتعرّض لها النساء والفتيات في الشوارع المكتظّة بالمارّة؛ تحرش بدنيّ أو لفظيّ فيه استباحة لجسد المرأة السائرة في الشارع. هذه الظاهرة ليست مقتصرة على المدن العربية فقط، بل على معظم المدن المزدحمة، كمدينة مثل "نيودلهي"، المزعجة في المشي. وهذا ينطبق أيضاً على إسطنبول في بعض شوارعها، في حين تبدو العاصمة الآذرية باكو ،رغم حداثة عهدها في مجال السّياحة، آمنةً جدّاً للسير في شوارعها نهاراً أو ليلاً. لعلّه من المهم إدراك قوة المشي وتأثيراته، وإدراك أيضاً اختلاف العلاقة معه بين الأشخاص والأماكن؛ بين المشي نهاراً والمشي ليلاً؛ بين شخص يقوم به على رصيفٍ رحبٍ وهواءٍ عليل، وآخر مجبرٍ على القيام به من أجل الوصول إلى هدفه سواء في شارع مزدحم يتخبّط فيه العابرون، أو في آخرَ مقفرٍ تنبح فيه الكلاب عند سماع وقع خطى الأقدام. في النتيجة الفرق بين الحالات شاسع، وحركة المشي واحدة: دفع قدمٍ أمام أخرى، والمضيّ نحو الأمام.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard