"نصائح غير مجانية دُفع ثمنها غالياً"... ماذا يمكن أن يقول المصريون للجزائريين والسودانيين؟

الأربعاء 13 مارس 201905:20 م
"عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، "لا للتوريث"، "لا للبقاء ستة أشهر". هكذا هتف المصريون ضد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على مدار 18 يوماً في الميادين المختلفة، وبشكل خاص في ميدان التحرير. أما الآن، فمَن يتابع الشأن المصري والصمت الرهيب الذي تغلغل داخل منازل وشوارع مصر، مع الاقتراب خطوة ثم خطوة من التمديد للرئيس عبد الفتاح السيسي، ربما يظن أن أحدهم استبدل هذا الشعب في وقت ما، وإلا فماذا حدث؟ لم أستطع تفادي التفكير في ذلك أثناء مشاهدتي تراجع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ومن قبله الرئيس السوداني عمر البشير عن خوض الانتخابات مجدداً... لكن الشارع الملتهب من السودان وصولاً إلى الجزائر له حسابات مختلفة. والأسئلة التي ستتبادر إلى ذهنكم يمكن اختصارها حالياً في: هل تتجه الجزائر والسودان إلى مصير يشبه مصير مصر؟ وهل يأتي اليوم الذي يقبل فيه كلا الشعبين ما يرفضونه حالياً ويصمتون؟ وفي حالة وجود تلك الاحتمالية، هل الشباب المصري يحق له توجيه نصائح للثوار في الجزائر والسودان؟ تقع الثورة المصرية حالياً بين مصيرين: "لم تنجح" أو "لم تنجح بعد". في كل الأحوال ليست هناك تجربة ناجحة واضحة يُمكن وضع خطوطها في علبة هدايا وإرسالها إلى أراضي الجزائر والسودان بكل تأكيد، لكن يُمكن اعتبار السطور التالية مجرد عصف ذهني يطرح عدداً من الأفكار التي ستتدفق حتماً على عقول شباب الجزائر والسودان في وقت ما، ولا أعلم بالتحديد كيف سيفيدهم ذلك ولكني أعلم أن الصمت المصري مبرَّر أكثر مما يتخيله الجميع.

لماذا صمت المصريون؟

بالتأكيد، القبضة الأمنية هي سبب أساسي في هذا الصمت المطبق، فمجرّد الحديث عبر السوشال ميديا يكفي أحياناً للدخول في متاهات ساحات المحاكم وأروقة السجون، فما بالك بالنزول الفعلي للاعتراض على أرض الواقع، خاصة مع الاستخدام غير المحدود لأدوات الأجهزة الأمنية ضد التظاهرات. لكن قبضة مبارك كانت هي الأخرى قوية للغاية. فالرجل ظل على عرش مصر 30 عاماً كاملة، ومع ذلك حينما ضاقت الأمور، اتسعت الشوارع لاستقبال ملايين الثوار، لذا فلا بد أن تكون هناك أسباب أخرى تمنع المصريين من النزول إلى الشارع مجدداً. الوضع الاقتصادي أبرز تلك الأسباب. وبدون الخوض في التفاصيل الاقتصادية التي لا تهم المواطن أو لا يحتاج أن يفهمها، هو فقط يلمس النتائج المباشرة على متطلبات حياته اليومية، فالأسعار تزداد اشتعالاً مع كل هتاف تقريباً، وكلما قرر المصريون الثورة كلما زاد اشتعال الأسعار مجدداً. ومَن يضمن ألا يتكرر ذلك؟ لا أحد. وهل هناك بديل يستطيع إصلاح الأضرار التي أصابت جيوب المواطنين؟ مرة أخرى، الإجابة: لا أحد. ربما يقف أحدهم ليسخر من الاستسهال في طرح هذه الإجابة. فكيف لا يوجد أحد يستطيع فعل ذلك بين 98 مليون مصري؟ وهنا نصل إلى السبب التالي وهو التجهيل المتعمَّد سياسياً. الجهل السياسي لم يكن نتاج فوضى حزبية في مصر مبارك، لكنه خطة محكمة سار عليها هذا النظام وقضت بتسخير كافة الأدوات المتاحة لوضع ستار بين المصريين وبين السياسة مهما كلّف الأمر. لذا، صعب للغاية أن يستطيع الشعب الاختيار واتخاذ القرار والحكم على الأسماء المطروحة ودعم سبل تمكينها من الحكم، فالسذاجة هي العنوان الأبرز الذي يعلو رؤوس الغالبية العظمى التي شاركت في الثورة وأولهم أنا، وفزاعات مثل العمالة لإسرائيل والتخويف من العلمانية التي ما زال معظم الناس في الشوارع يعتبرونها كفراً تكفي لتشويه سمعة أي طرف بديل محتمل. وحتى حينما تشجع المصريون وقرروا تلبية دعوة الشباب الغرباء للنزول وعزل مبارك، سُرعان ما ذهب الشعب إلى ما يعرفه وما يألفه وهو الجيش بعدما فشل الإسلام السياسي ممثلاً في فترة محمد مرسي القصيرة في إرضائهم، وتشتتت القوى المدنية بانقسامها إلى عشرات الأحزاب وأكثر من مرشح رئاسي، وكأن المصريين يمارسون الديمقراطية منذ عقود. كل ذلك سهّل عملية عودة المواطنين إلى أحضان عشقهم القديم منذ عهد عبد الناصر وهو القوات المسلحة. هل هذا يعني أن حكم مرسي كان أفضل من الفترة الحالية؟ والأهم، هل أخطأ المصريون في إزاحة مبارك في الأصل؟ لا شك أنه بعد كل موجة من الغلاء ستبدأ في سماع نغمة "ولا يوم من أيامك يا مبارك"، وأحياناً نغمة دينية تُنشد قائلة "ذنب بتوع ربنا اللي معجبوكمش". ولكن لمؤيدي السيسي وجهة نظر أخرى قد تُطمئن ثوار الجزائر والسودان إذا ما وصلت الأمور إلى المصير المصري الحالي.

ملخص دواعي تأييد نظام السيسي

يرى البعض أن التداعيات الاقتصادية الحالية هي ضريبة موجعة ولكنها ضرورية لإصلاح ما أفسدته عقود من التخبط الاقتصادي خاصة في عصر مبارك، وأن اعتماد المصريين على الدعم السهل والمسكّنات المعتادة جاء على حساب أية فرصة لتطوير القطاعات الرئيسية في البلاد والتي وصلت إلى درجات انهيار كبيرة في الصحة والتعليم مثلاً، وأن الارتكاز على الدعم المُقدّم للمواطنين دون خطة احترافية لإدارة موارد البلاد من شأنه القضاء على اقتصاد الدولة في حال الخلل بأي مورد، مثلما حدث في مورد السياحة عقب ثورة 25 يناير، ويضربون في ذلك المثل بتجربة فنزويلا المريرة.
مَن يتابع الشأن المصري والصمت الرهيب الذي تغلغل داخل منازل وشوارع مصر، مع الاقتراب خطوة ثم خطوة من التمديد للرئيس عبد الفتاح السيسي، ربما يظن أن أحدهم استبدل هذا الشعب في وقت ما، وإلا فماذا حدث؟
كل شيء وارد وهذه مجرّد نصائح غير مجانية دُفع ثمنها غالياً في مصر فلم يتبقَّ إلا الصمت الآن... إلى حين آخر
ومن الاقتصاد إلى ملف الأمن، يؤمن مؤيدو السيسي أن إعلانه الحرب بشكل غير مسبوق على الإرهاب سواء كان ذلك استهدافاً للجماعات التكفيرية أو ما يغطيها سياسياً مثل جماعة الإخوان المسلمين، يضع ضحايا تلك الحرب الذين يسقطون من وقت إلى آخر في ميزان المنطقي والمعقول من أجل التخلص من هذا الخطر الذي رفض مبارك مواجهته سابقاً، وفضّل اتخاذ طريق المهادنات مع تلك الجماعات فوصل الأمر إلى تمكين الإخوان من 88 مقعداً في البرلمان ذات مرة. وأخيراً، وبسبب تلك الظروف، فالقبضة الأمنية التي تتعارض مع ملف الحريات في مصر هي شرّ لا بد منه سينتهي بتحقيق الأهداف الرئيسية للعمل الذي يقوم به السيسي. هذا سيحصل بالإضافة إلى إنجازه العديد من المشروعات التي من المقرر أن تؤتي ثمارها مستقبلاً أيضاً، أي أن عامل الوقت هو فقط ما يحتاجه السيسي، وهذا مبرر واضح للرغبة في التمديد له على رأس السلطة، ومن ثم مبرر للصمت على طريقته في الوصول إلى ذلك التمديد.

ختام رسالة مصر إلى الجزائر والسودان

ماذا يعني كل ذلك بالنسبة لكم؟ ربما لا شيء الآن ولكنه أشياء في المستقبل القريب. بين التخوّف من الجماعات المتطرفة التي ستسعى حتماً للدخول بقوة إلى الأروقة السياسية قاصدة تحقيق أكبر المكاسب المتمثلة في الرئاسة ذاتها، وبين تبعات اقتصادية وأمنية واجتماعية منتظرة قد تُربك المشهد في وقت ما، كل كلمة كُتبت عن التجربة المصرية يُمكنكم ترجمتها إلى واقعكم أنتم بشكل لا أعرفه أنا. كل مبرر سيق للصمت المصري أنتم الأجدر على التفتيش عنه بين صفوفكم، والآن لديكم وقت أكبر لقراءة الأفكار التي تجول في عقل المواطن المصري بمختلف انتماءاته من أجل العمل سريعاً على الاستفادة منها والتفكير فيها مطولاً، ربما اختصاراً للوقت أو استعداداً لها، أو لتفاديها، أو لتقبلها. فكل شيء وارد ولكن هذه مجرد نصائح غير مجانية دُفع ثمنها غالياً في مصر فلم يتبقَّ إلا الصمت الآن... إلى حين آخر.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard