كيف تحوّلت كرة القدم إلى لُعبة لكيد الحكّام والأنظمة؟

كيف تحوّلت كرة القدم إلى لُعبة لكيد الحكّام والأنظمة؟
"انا معاكم في اي حاجة تعكنن علي سعادة الباشا اللواء"، قال المُجند أشرف عبد الباقي في فيلم الإرهاب والكباب ردًا على عرض المواطن عادل إمام له كي ينضم لمجموعة المواطنين الذين سيطروا على مجمع حكومي بالسلاح، وقرروا كيد النظام ممثلًا في جميع كياناته من أجل حفنة مطالب بسيطة ولو كانت مجرد وجبات طعام.
وعلى ما يبدو أن تلك الروح قد انتقلت من مُجنّد مجمع التحرير إلى مدرجات الملاعب المصرية ومنها إلى ملاعب الإمارات وقطر والسعودية وحتى فرنسا وأمريكا، ففي الوقت الذي ربما يقف المواطن مكتوف اليدين في مواجهة حكومة بلاده، فهو يرى المهرب الوحيد له يقبع في أقدام لاعبي كرة القدم الذين يستطيعون بتسديدة واحدة تعكير مزاج الحكام، وقلب سعادة الحكم إلى حزن عن طريق الأهداف، ما دام قلب نظام الحكم بالتظاهرات أُمنية صعبة المنال.

جماهير الكرة تفك حصار قطر

في بطولة أمم أسيا 2019، التي انتهت قبل أيام قليلة، ظهر جليًا أن للجماهير توازناتها السياسية التي تحدد اتجاه صيحاتهم التشجيعية في المدرجات، والهدف دائمًا هو إثارة غضب رئيس ما، وبما أن الوضع السياسي الحالي جعل قطر شبه منفردة في مواجهة باقي الدول العربية، وأبرزها مصر والسعودية والإمارات وسوريا على المستوى الحكومي، فقد كانت انتصاراتها هي الطريق الأمثل لإضفاء "لذة الانتقام" على المزاج العام لشباب بعض تلك الدول المعارضين لأنظمة بلادهم.

في مصر مثلًا انقسمت الجماهير بين مشجعين لمنتخب قطر وبين كارهين للون العنابي، كلٌ حسب انتمائه السياسي، فلا يجوز بأي حال الجمع بين مناصرتك للرئيس عبد الفتاح السيسي ومناصرتك لمنتخب قطر، والعكس صحيح. فإذا كنت أحد هؤلاء الغاضبين من مجريات الأمور في مصر فيجب عليك تمني فوز قطر حتى تُصاب الحكومة بالحسرة قليلًا، ولأن كرة القدم هي لُعبة المعجزات، فقد شاءت الأقدار أن تواجه قطر السعودية والإمارات وتتغلب عليهما بالفعل، الأمر الذي أعطى للذة فرحة المصريين المعارضين لأنظمتهم وبالتالي كارهين للمساعدات التي تقدمها الإمارات والسعودية للرئيس السيسي، ثلاثة أضعاف المتعة، ومع كل هدف استطاع القطريون إحرازه نظر الشباب المصري إلى حكومات البلدان الثلاث (مصر والسعودية والإمارات) بنظرة شماتة واضحة، خاصة مع تبني إعلاميين عُرف عنهم موالاتهم للنظام أمثال أحمد موسى بث خطاب كراهية لقطر ممثلة في 11 لاعباً على أرض المستطيل الأخضر.

ومن مصر السيسي إلى سوريا بشار لم يختلف الوضع كثيرًا، وبنفس حسابات السياسة في القاهرة بدأ السوريون حساب أنفاس تشجيعاتهم في أمم آسيا، وهكذا هتف الموالون لنظام بشار باسم المنتخبات التي لعبت ضد قطر وأبرزها اليابان، مع اختلاف بسيط هو أنهم وقفوا على الحياد في مواجهة قطر والسعودية مثلًا، نظرًا لاختلاف الوضع السياسي عن مصر في تلك النقطة، فالجميع ضد بشار وليست قطر فقط.

بين مصر الإخوان ومغرب الحسيمة

بالعودة إلى العام  2017 ومن قارة آسيا إلى القارة السمراء أفريقيا، يُمكنك مشاهدة أن التشجيع أصبح أمرًا سياسيًا مئة بالمئة من وجهة نظر بعض الفئات والمقاطعات، فبينما كان أنصار جماعة الإخوان المسلمين يتمنون خسارة منتخب مصر حتى لا يشعر المصريون بالرضا عن حالهم، خاصة مع شعبية اللعبة الكبيرة في مصر، كانت هناك مدينة مغربية كاملة (الحسيمة) تحتفل بانتصار مصر على المغرب لنفس الأسباب تقريبًا.

القصتان متشابهتان كثيرًا، فكل منهما (الإخوان وسكان الحسيمة) كانت لديهما مشاكل معقدة مع الأنظمة في دولتي مصر والمغرب، فالإخوان فقدوا الحكم بعد تدخل الجيش في 30 يونيو وخلع الرئيس الأسبق محمد مرسي عقب تظاهرات حاشدة شعبية، وسكان الحسيمة وقع عليهم ضرر مما اعتبروه ظلمًا بينًا بعد مقتل أحد الشباب على يد السلطات في دفاعه عن لقمة عيشه الممنوعة بأمر حكومة المغرب، في قضية منع التجارة في نوع معين من الأسماك، وهي المصدر التجاري الأول للمدينة، وهكذا انقسمت المدرجات بين مصريين يشجعون المغرب ضد مصر ومغاربة يناصرون مصر ضد منتخب المغرب، في سابقة تحدث لأول مرة بهذا الشكل الذي قد يُعد من أقصى نوادر الكرة التي ربما لن تُضحك الجميع.

وبالطبع لم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي رفع فيها أنصار الإخوان المسلمين رايات المنتخبات المتنافسة مع مصر، فالجميع يتذكر مواجهة مصر وغانا في إطار تصفيات كأس العالم 2014، حينما اكتسى ملعب كوماسي في غانا بالألوان الصفراء والسوداء، وهي تلك اللافتات الربعاوية التي حملها الإخوان داخل مدرجات غانا، وبينما قد يعتقد الجمهور الغاني أن إشارة رابعة تمني بتسجيل أربعة أهداف، كان للإخوان هناك مآرب أخرى تم تحقيقها في إعلان غضبهم على كل ما هو مصري وأن سعادتهم تتمثل في حزن الفئات التي ساعدت في نهاية حكمهم لمصر، وبالفعل هذا ما تحقق حينما قضوا ليلة سعيدة بعد خسارة مصر بستة أهداف وعدم تحقيقها بطاقة الصعود للمونديال، حتى أنهم انطلقوا في تظاهرات احتفالية طافت شوارع مصر بهتافات "كلنا غانا"، ولكن بعد 4 سنوات انقلبت الأمور إلى النقيض حينما نجح منتخب مصر بقيادة محمد صلاح في تحقيق الإنجاز والصعود لكأس العالم على حساب غانا وأوغندا والإخوان.

العرب وفرنسا في كيد ترامب

جانب كبير من مناصرة الشباب العربي للمنتخب الفرنسي في فعاليات كأس العالم الأخيرة، التي أقيمت في روسيا، كان الهدف منه توصيل رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اللاجئين الذين ظل هو يطاردهم بقوانين الحد من استقبالهم أو حتى ترحيلهم، في الوقت الذي حصدت فيه فرنسا ثمار استقبالهم رياضيًا على الأقل.

فقد تابع الجميع قوام المنتخب الفرنسي المرصع بأصحاب البشرة السمراء، يقودون منتخب بلادهم "البديلة" إلى منصة التتويج بعد سنوات من الكفاح، سواء كفاح الفرنسيين لنيل اللقب الغائب منذ 1998 أو كفاح شباب أفريقيا الذين قادتهم الأقدار وقوارب اللجوء إلى شواطئ فرنسا، وهكذا التقى كل منهما في طريق ملاعب روسيا ليقدموا إبداعات كروية عظيمة، جعلت من قصصهم روايات مؤثرة ستحكى لسنوات عديدة، تندر بها عرب سوريا، خاصة من حكومة ترامب التي لا ترى خيرًا في استقبال اللاجئين عكس ما فعلته حكومات فرنسا المتوالية، وربما تلك التجربة قد تكون الأفضل في تاريخ تداخل السياسة واختلاطها بكرة القدم عكس باقي الأمثلة المذكورة سابقاً.
أقوال جاهزة

شارك غرد ظهر في بطولة أمم أسيا 2019 جليًا أن للجماهير توازناتها السياسية التي تحدد اتجاه صيحاتهم التشجيعية في المدرجات، والهدف دائمًا هو إثارة غضب رئيس ما.

شارك غردفي الوقت الذي ربما يقف المواطن مكتوف اليدين في مواجهة حكومة بلاده، فهو يرى المهرب الوحيد له يقبع في أقدام لاعبي كرة القدم الذين يستطيعون بتسديدة واحدة تعكير مزاج الحكّام.

شارك غردفي كرة القدم دائمًا وأبدًا هناك هدف خفي يتم زرعه في نفوسنا وهو ثقافة تقبل الخسارة بين الحين والآخر، هذا وإن كان هدفاً صحياً في الوضع الطبيعي للتنافس داخل إطار اللعبة، فهو يتحول تدريجيًا إلى العكس تمامًا حينما يبدأ المشجع في اعتبار خسارة فريقه خسارة لأمة كاملة.

شارك غردفي انتظار إعلان خسارتنا كعرب بوصلة تلك الرياضة الحقيقية، ولنبدأ في البحث عن أداة أخرى تُقرب الشعوب عوضًا عن تلك الأداة (كرة القدم) التي أفسدتها السياسة كالعادة.

كرة القدم للجماهير أم للسياسيين؟

قد يرى البعض أن ذلك التنفيس عن الغضب مبرر أو صحي، وحتى الحكام الذين أصابتهم خيبة الأمل مع انتصارات منتخبات البلاد التي يقع بينها وبينهم خلافات سياسية قد يجدون أن خسارة منافسات رياضية ليس بالأمر الجلل ما دامت تلك الأحداث تُرضي غرور معارضيهم وبالتالي لا يتطور الغضب إلى أشكال أخرى خارج مدرجات الملاعب، ولكن هل تلك هي رسالة كرة القدم أو الرسالة الرياضية عمومًا؟

بالطبع لا، فطوال الوقت حاول القائمون على مجال كرة القدم إبقاء اللعبة بعيدًا عن تلك الحسابات السياسية المعقدة، حتى لا تتحول الرياضة من لغة تقارب بين الشعوب إلى كيد متبادل، ولا أتحدث هنا عن مشاعر الحكام، ولكن مشاعر الجماهير بصفة عامة، فلك أن تتخيل مثلًا أنك مواطن سعودي أو إماراتي يدفع ثمن سياسات حكومته في استقبال عبارات الشماتة من مختلف البلدان العربية، وبدلًا من استعداد مُشجع ما للاستمتاع باللعبة كجزء بسيط من المتعة في حياة مليئة بالأوجاع الأخرى، تُصبح اللعبة نفسها وجعاً آخر يتحمل أعباءه، وفي كرة القدم دائمًا وأبدًا هناك هدف خفي يتم زرعه في نفوسنا وهو ثقافة تقبل الخسارة بين الحين والآخر، هذا وإن كان هدفاً صحياً في الوضع الطبيعي للتنافس داخل إطار اللعبة، فهو يتحول تدريجيًا إلى العكس تمامًا حينما يبدأ المشجع في اعتبار خسارة فريقه خسارة لأمة كاملة، لشعب كامل، لسياسة دولته، وهكذا تُصبح كرة القدم ساحرة مسيسة بدلًا من أن تكون ساحرة مُستديرة، في انتظار إعلان خسارتنا كعرب بوصلة تلك الرياضة الحقيقية، ولنبدأ في البحث عن أداة أخرى تُقرب الشعوب عوضًا عن تلك الأداة (كرة القدم) التي أفسدتها السياسة كالعادة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات