"الله يسعدك" تُفجِرُ الصحوةَ الكامنةَ في العقول

"الله يسعدك" تُفجِرُ الصحوةَ الكامنةَ في العقول

استجابت قناةُ "دال" التابعة لشبكة قنواتِ المجد السعودية للغضب الشعبي الذي سبّبه مذيعها أحمد المالكي بعد تهجمه على مشاهدة اتصلت على برنامج "همثون 9” وقالت في مداخلتها “الله يسعدك ويوفقك” لضيف البرنامج فاستشاط المذيع غضباً واتهمها بقلة الأدب وبمغازلة ضيفه. وسعت القناة لامتصاص الحنق الجماهيري بإعلانها الأحد إيقاف المذيع عن العمل، غير أن الحملة الشعبية التي دشنها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي لم تهدأ بعد إقالة المذيع بل تواصلت مطالبين وزارة الإعلام بالتدخل ومحاسبة القناة على ما اعتبروه "قذفاً وسباً علنياً" بحق المتصلة دون وجه حق داعين إلى حذف القناة من أجهزة الاستقبال.

وساهم الاعتذار الذي وصفه الناشطون بالضعيف والمتكبّر في احتداد موجة الغضب من القناة.

بدأت القصة بعد أن انتشر اليومين الماضيين، مقطعُ فيديو يظهر اتصالَ مشاهدة بالبرنامج وتوجهت للضيف بالدعاء بأن "يسعده الله ويوفقه"، وهي الجملة التي اعتبرها المذيع المالكي تغزلاً وتحرشاً بالضيف والبرنامج، فطلب من المخرج قطع الاتصال، قبل أن ينهال على المشاهدة بسيل من الانتقادات الحادة واصفاً سلوك الفتاة "بقلة الحياء"، معتبراً أن مثل هذه الاتصالات "غير مقبولة"، ووافقه الضيف في ذلك وإن قال إن ما بدر منها “ليس تغزلا” لكنه غير مقبول.

 بعد يوم من الهجوم عليه عاد المالكي ليعتذر بشكل خجول الأحد، مؤكداً  أنه كان عليه الاكتفاء بقطع الاتصال "دون ردة فعل"، إلا أن اعتذاره هذا كان أشبه بسكب البنزين على النار.

ابحث عن الصحوة

اعتبر حقوقيون، أن اللغة القاسية التي استخدمها المذيع، هي نتاجُ عقود الصحوة التي تغلغلت في المجتمع السعودي، واعتبرت أن أي كلمة تقولها المرأة هي كلمة خادشه للحياء، حتى لو كانت دعاءً طيباً، وأكد المختص في الدراسات الإسلامية ماجد المعيبد أن الحادثة تؤكد أن المجتمع مازال يعاني من نتاج الصحوة التي سيطرت على العقول لأربعة عقود، ويقول لرصيف 22 :"جملة الله يسعدك جملة بسيطة وطيبة الهدف منها الدعاء للآخر، لا يمكن أن تتحول لتحرش وغزل إلا في عقل متحجر تعايش لسنوات طويلة على فكرة أن المرأة عار في كل شيء وأن أي تصرف منها لابد أن يفسر بشكل سلبي"، ويضيف :"الغريب أن المذيع المستشرف، رفض جملة على الهواء إلا أنه قالها في حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي (الله يسعدك) وهذا يثبت أن هناك انفصاماً في عقول جيل الصحوة، بشكل يؤكد صواب مساعي الدولة لاجتثاث هذا الفكر من العقول".

في الاتجاه ذاته، شدد أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية التربية في الدمام، الدكتور ماجد العنزي على أن القضية أكبر من مجرد تهجم مذيع على مشاهِدة، وأنها تكشف حجمَ الضرر الذي عاشه المجتمع نتيجة الفصل المتشدد بين الذكور والإناث، ويقول لرصيف 22:" لعقودٍ كان من المحرم على الذكور الحديث مع الإناث، لهذا من غير المستغرب أن ينفجر أحدهما غاضباً عندما يسمع دعاءً لطيفاً من فتاة، فلقد  نشأ على الاعتقاد أن النساء فاسدات بطبعهن"، وأضاف :"كان الخطاب الديني المتشدد هو السائد في المجتمع، وعليه تربت عقول متشددة، نشاهد كمية القذف والشتائم التي تطال النساء لمجرد خروجهن بشكل طبيعي في الحفلات والمعارض، فهناك عقول تعيش في زمن غابر، ولم تنضج بعد".

ومن جهته اعتبر المستشار القانوني أحمد الرشيد، أن الأمر لا يمكن أن ينتهي باعتذار بسيط، فما قام به المذيع يُعتبر "قذفاً يجرمه نص القانون"، ويقول لرصيف 22 :"يحق للمتصلة التي تمت الإساءة لها أن ترفع قضية ضد المذيع والقناة وهو ما سيترتب عنه حكم تعزيري بالجلد والسجن، وأيضا التعويض من القناة لأنها السبب في ما حدث، فإيقاف المذيع عن العمل ليس قراراً كافياً، فلابد أن تعتذر بشكلٍ مرضٍ  للمشاهِدة التي تمت الإساءة لها، وتعويضها عن الضرر الذي لحق بها".

مذيع؟

على موقع التدوينات المصغرة "تويتر” احتد الجدل ولم يتوقف إلى حد كتابة هذه الأسطر وانتقدت غالبية المغردين تصرف المذيع الفج، وجاءت أكثر الانتقادات من قبل زملاء المهنة، فوصفت الإعلامية سكينة المشخص مقدمةُ برنامج "من الخليج" على شاشة قناة المحور ما قام به المالكي بالجريمة الإعلامية، وكتبت:"و الله لو أنا من البنت أرفع قضية على القناة و المذيع"، وأضافت مستغربة :"مشاهدة تتصل ببرنامج و تقوم بالدعاء مقدماً للضيف بأدب و هذا أمر دارج و يتهمها المذيع " بالتغزل بالضيف".

ووافقتها الإعلامية بدور أحمد مذيعة التلفزيون السعودي معتبرةً أن المالكي لا يستحق لقب المذيع، وقالت :"لا يصح أن نطلق كلمة مذيع أو إعلامي على كل من هب ودب ، ليس كل من ظهر على الشاشة وركب مايكروفون على صدره أصبح مذيعاً لابد أن تكون هناك معايير لاختيار المذيعين والمذيعات"، وأضافت :"ياقادة القنوات اتقوا الله في المشاهدين هؤلاء ليسوا مذيعين هؤلاء مجرد تكملة عدد لا أكثر".

أقوال جاهزة

شارك غرد"الله يسعدك ويوفقك" عبارة لطيفة نطقت بها مشاهدة لكنها أغضبت مذيعاً على الهواء، وتحولت إلى جدل على مواقع التواصل وخارجها، ما جعل القناة تقيل مذيعها، لكن الجدل لم يتوقف هنا. التفاصيل في تقريرنا.

شارك غرداعتبر حقوقيون، أن اللغة القاسية التي استخدمها المذيع، هي نتاجُ عقود الصحوة التي تغلغلت في المجتمع السعودي، واعتبرت أن أي كلمة تقولها المرأة هي كلمة خادشه للحياء، حتى لو كانت دعاءً طيباً.

شارك غردباحث في الدراسات الإسلامية: "جملة الله يسعدك جملة بسيطة وطيبة الهدف منها الدعاء للآخر، لا يمكن أن تتحول لتحرش وغزل إلا في عقل متحجر تعايش لسنوات طويلة على فكرة أن المرأة عار في كل شيء وأن أي تصرف منها لابد أن يفسر بشكل سلبي.

في الإطار ذاته، فسر الداعية سليمان الطريفي الحساسية المفرطة من كلمات عادية تصدر من النساء بأن سببها تصور خاطئ عن حدود الخضوع في القول والكلام الذي جرت عليه العادة، وأضاف :"جاء نتيجة تأصيل أكثر خطأً، فحتى لا يُفتن الرجل يجب تقييد الحركة الطبيعية للمرأة، بينما التصور الصحيح، على الرجل أن يكون طبيعياً غير ضعيف ويتحكم بسلوكه".

الكثير من الانتقادات طالت المذيع والقناة، وظهر وسم #الله_يسعدك_و_يوفقك  في أكثر من 291 ألف تغريدة، وفيه استغربت الناشطة لجين داغستاني القصة كلها، وكتبت :"تخيل أن ينعتك أحدهم بعدم الاحترام لأنك كنت لطيفًا معه، اللطافة ذكاء وقوة وقمة الاحترام والأدب".

من جانبه اعتبر خالد عبد العزيز ماحدث نتيجةً طبيعية للفصل بين الجنسين على مر عقود طويلة"، وأضاف :”أصبح تبادل النظرات بين الجنسين تشبيك والسلام على بعضهم البعض فاحشة والدعاء لبعضهم البعض جريمة يتم اتهام الداعي بها".

عبدالعزيز آل ظافر انتقد الاعتذار الذي تقدم به المالكي، واعتبره غيرَ كافٍ على الإطلاق، وكتب :"يقول : أعتذر "إن بدر مني خطأ"، يقول : المفترض أن نكتفي بقطع الاتصال، وأنا أقول أنت عار على الإعلام بفكرك الذكوري يا متخلف وش فيها لما تقول الله يسعدك ويوفقك وين وزارة الإعلام نايمين؟ كيف هذا النكرة أن يكون مقدم برنامج".

في الوسم ذاته تساءلت منيرة الخميري: "واحد يقول لا أقبل هذا ! والأخر يرد بهجوم شرس واتهام بقلة الحياء والغزل، ماهذه النظرة السيئة للمتصلة، وأي ثقافة تتعايش بفكر هؤلاء عن المرأة في مجتمعنا، للأسف إنهم يمثلون جزءًا من المشهد الإعلامي"، فيما اكتفى رسام الكاريكاتير عبدالله جابر برسم ساخر جسد فيه الحادثة كما يراها.

المغرد ياسر الكنعنان الذي يتابعه نحو 11.5 ألف مغرد، كتب سلسلة تغريدات، حلل فيها الحادثة، وقال :"التحليلات كلها تصب في اتجاه صراع التيارات، والأيديولوجيا، ولم تتطرق للأسف للسبب الأقرب للواقع، الموضوع: حيلة تسويقية، لتسويق البرنامج، المذيع، القناة، اللي محد يعرفهم أصلا"، مستغربا من أن الانتقادات طالت المذيع دون الضيف الذي كان من أطلق الشرارة، وأضاف :"الكل انتقد المذيع، ولا أحد قال للضيف وش فيك؟ انت مصخن [مريض]؟ البنت تدعي لك بالتوفيق والسعادة، وانت فهمتها تحرش جنسي! هذا الموقف أفضل مثال لدراسة سلوك القطيع"، واعتبر الكنعان أن رجلاً يعتبر أن كلمة الله يسعدك مسيئة وفيها ايحاءات غزلية، هو رجل غير طبيعي، حتى لو كان أكثر الناس حياءً، فما بالك برجلين اتفقا على ردة فعل واحدة، اعتبرت هذه الجملة مسيئة.

لكن البعض أيد موقف المذيع وضيفه، ومنهم سليمان الذي كتب : "لا يجوز للمرأة محادثة الرجال إلا لحاجة وبدون خضوع بالقول ولا تميّع بالكلام، لذا فالمذيع والضيف جزاهما الله خيراً على إنكارهما الخطأ وقطع المذيع، وهدى الله الفتاة فقد أخطأت".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي