خالد الإسلامبولي بعيون أحمد فؤاد نجم والأبنودي... مديح القاتل بسبب الظلم

خالد الإسلامبولي بعيون أحمد فؤاد نجم والأبنودي... مديح القاتل بسبب الظلم

11 عاماً قضاها الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات في سدة الحكم شهدت محطات غيّرت تاريخ مصر، وشهدت حملة قمعية واسعة درات رحاها منذ عام 1974، عقب عام واحد من نصر أكتوبر، عندما وصف نفسه بـ"الرئيس المؤمن"، وشرع في إفساح المجال للجماعات الإسلامية لضرب اليساريين و"العيال الأوساخ اللي لابسين قميص عبد الناصر"، بحسب قوله.

هكذا، انتشرت النزاعات بين الإسلاميين وقوى اليسار في الجامعات، بينما شرع نظامه في تطبيق ما عُرف بسياسة الانفتاح الاقتصادي، والسعي الحثيث نحو سلام منفرد مع إسرائيل برعاية أمريكا التي قال عنها ذات يوم إن 99 في المئة من أوراق اللعبة بيدها.

السادات عدو الجميع

عادى السادات جميع التيارات السياسية في سنوات حُكمه الأخيرة، ما جعله في مرمى سهام نقد معظم كتاب ومثقفي مصر، ومن بينهم الشاعران أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي.

فالأول لم يسلم من أشعاره غالبية الحكام الذين عاصرهم، لكن أشرس عداوة كانت بينه وبين السادات. مستعيناً برفيق دربه المطرب الثائر الشيخ إمام عيسى، قدّما عشرات الأغاني التي تنتقد السادات وتصل حدّ السخرية منه، كما في "قوقة المجنون"، و"بيان"، و"الفول واللحمة".

أما الأبنودي، فقد حاول السادات أن يجعله شاعره الأوحد، لكنه نأى بنفسه عن ذلك، وبدأت الحرب بينهما عندما فتح الشاعر التلفاز، وشاهد الرئيس يخطب قائلاً: "أمريكا وأستراليا وكل الدول الصديقة، والشيوعيون الخونة أعداء الوطن، واللي لابسين قميص جمال عبد الناصر".

يحكي الكاتب محمد توفيق، في كتابه "الخال"، عن بدء تلك اللحظة العدائية، ويقول: "بعد أن أنهى السادات كلامه، أمسك الأبنودي بقلمه، وجلس على مكتبه، ووجد نفسه يكتب: الوحي ده... ماجانيش من موسكو/ ماجانيش من أمريكا/ ماجانيش غير من هنا من القلب/ فأنا باعتقد إني بحبّ الوطن/ وأموت فداء للشعب/ أنا صوتي منِّي وأنا ابن ناس فُقَرَا/ شاءت ظروفي إني أكتب واقْرا/ فبشوف وبغنِّي/ والفقرا باعتينِّي/ يا ناس... يا هوه/ قَبْلِنْ ما قول قوله/ اتأكدوا إنه صوتي ده وصَدَر مني/ أنا مش عميل حد/ أنا شاعر/ جاي من ضمير الشعب.

السادات يكتب شهادة وفاته بيده!

كان المناخ خانقاً سياسياً، والشارع المصري يغلي فوق نار الأسعار، وقوى المعارضة المدنية إما في غياهب السجون، أو في انتظار قرارات بالحبس، والقوى الإسلامية الطليقة تتوسّع.

من تلك الظروف أتت انتفاضة الثامن والتاسع عشر من يناير عام 1977، وعلى إثرها قُبض على جميع قاداتها، ثم مرّ عامان وذهب السادات إلى إسرائيل، وانقلب الجميع ضده، بمَن فيهم الإسلاميون الذين أطلق لهم العنان.

قبل شهر واحد من اغتياله، تحديداً في الخامس من سبتمبر 1981، خرج السادات على الهواء مباشرة، وألقى خطاباً مُرتجلاً، في اجتماع مُشترك بين مجلسي الشعب والشورى، هدد خلاله شباب الجماعات الإسلامية بالسجن، كما فعل مع قادتهم، وأعطاهم فرصة للتراجع عن أفعالهم في الشارع المصري، وأعلن ندمه على إخراجهم من السجون.

وعلى أثر ذلك، شن نظامه حملة اعتقال واسعة طالت أكثر من ألف وخمسمئة شخص، من جميع التيارات المعارضة، وكان بينهم شخص يُدعى محمد أحمد شوقي الإسلامبولي. كان ذلك سبباً رئيسياً في اغتيال السادات.

خالد الإسلامبولي يأخذ بالثأر

"إن الغنمية الكبرى لأي مؤمن وخلاصه، هي أن يقتل أو يُقتل في سبيل الله"... تلك الكلمات هي آخر ما دوّنه خالد أحمد شوقي الإسلامبولي، في دفتر مذكراته، فور علمه بنبأ اعتقال شقيقه محمد، بحسب كتاب "خريف الغضب" لمحمد حسنين هيكل.

انتهز الإسلامبولي فرصة اشتراكه في العرض العسكري لاحتفالات أكتوبر في العام ذاته، للتخطيط لقتل السادات، بعدما التقى بمحمد عبد السلام فرج وثبّت الأخير لديه قناعته برورة الاقتصاص من أنور السادات.

شرع خالد الإسلامبولي في التخطيط لعملية الاغتيال. وفي مساء الأحد في الرابع من أكتوبر 1981، ترك لشقيقته رسالة أخيرة، قال فيها: "أستودعكم الله... وأرجو أن تغفروا لي وتسامحوني، فقد أسبب لكم جميعاً المتاعب... إن الله قد هدانا إلى هذا العمل، والاستشهاد في سبيل الله جمَعنا، وأنتم في الجنة إن شاء الله... إن الحاكم قد طغى وتجبّر، ولا خلاص للأمة إلا بقتله".

واختتم رسالته بكلمات خصّ بها أمه السيدة قدرية الإسلامبولي، قائلاً: "أمي لا تحزني، فإننا شهداء بإذن الله"، ثم ذيّل رسالته بتوقيعه: خالد بن أحمد شوقي الإسلامبولي.

ويوم الثلاثاء، تمكن الإسلامبولي ورفاقه من تنفيذ خطتهم، واغتالوا السادات. اعتُقل خالد ومَن شاركوه في العملية، وحُكم على خمسة منهم بالإعدام. وفي 15 أبريل من العام التالي، نُفّذ الحكم بحق الإسلامبولي في ميدان الرماية بمعسكر الجبل الأحمر، بحيث أطلق عليه عشرة جنود الرصاص، بواقع واحدة من كل منهم.

الإسلامبولي ملهم الشعراء!

بعد اغتيال السادات مباشرة، نظم الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة "خالد الإسلامبولي"، وفيها أعلى من شأنه، وكأنّ ما فعله نصر مظفر للأمة، وبين ثناياها وضع أسماء الضالعين في عملية الاغتيال، فقال: خالد... يا ابن الربيع والأمل والشمس والزينة/ مين يا فتى علمك فعل الخريف فينا؟/ وكبرت بره الزمان اللي ابتلاك بينا/ نايمين على ودننا مع إننا عارفين/ صاح من سكون الخرس كروان بغنيوة/ الملك لك يا فتى يا مصري يا حليوة/ رقصت نجوم الفلك بالضي تتعانق/ والشمس ويا القمر في برجهم عارفين/ شيل الغطا ياعطا... عبد السلام مددين/ عبد الحميد يا فتى... قطب الرجال يا حسين/ داعي المروءة دعا والعمر مش عمرين/ خالد يقول صحبتي وإحنا الجميع عارفين/ الله أكبر ع الباغي والجبار/ طعن الفتى طعنته خار الأغا وانهار/ المجد ده ابننا والفارس الكرار/ راكب على مهرنا والكدابين عارفين.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد اغتيال السادات مباشرة، نظم الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة بعنوان "خالد الإسلامبولي"، أعلى فيها من شأن القاتل، كما كتب الشاعر عبد الرحمن الأبنودي قصيدة مهمة جداً في تاريخه الشعري، أسماها "المتهم"

شارك غرد"المجد ده ابننا والفارس الكرار/ راكب على مهرنا والكدابين عارفين" و"كل القضاة زايلين/ والمتهم... خالد"... كيف استقبل الشاعران أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي نبأ مقتل السادات بقصيدتين أعلتا من شأن القاتل؟

عن تلك القصيدة وملابسات كتابتها، يقول الشاعر زين العابدين فؤاد إن "الهدف من كتابتها ليس مدح خالد الإسلامبولي. لكن بمراجعة أبياتها نرى أن نجم اعتبره أداة للتخلص من السادات الذي نكّل بكل معارضيه، وعلى رأسهم كاتب القصيدة نفسه".

ويضيف فؤاد لرصيف22 أن لحظة الكتابة نفسها لا بد أن تؤخذ في الاعتبار، و"بحكم معرفتي بفؤاد نجم، هو شخص انفعالي جداً، ويكتب ما يطرأ على خاطرته الشعرية دون النظر لأيّة ملابسات أو تأويل قد تسببه القصيدة".

وبسؤاله عن مضمون القصيدة فنياً، يقول زين العابدين: "على المستوى الشعري، قصيدة نجم قوية التعابير، والتشبيهات، وهي عادته في الكتابة: السلاسة في التعبير، مع قوة اللهجة".

في المقابل، استقبل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي نبأ اغتيال السادات، واسم قاتله، بكتابة قصيدة مهمة جداً في تاريخه الشعري، وأسماها "المتهم"، ويبدو أنه استلهم خطاب خالد الإسلامبولي الأخير لوالدته، فيقول: ويا أمي إن يسألوكِ لا يرتعشلك حضن/ ولا تردي بحزن وتقولي: "مات في السجن"/ ساعتها يبقى الحزن بلا موضوع/ والسجن بلا موضوع والموت بلا أكفان/ وكفاية جربنا سنين الموت بالمجان/ والتافه المتهان أهاننا بالمجموع.

ويحكي الأبنودي عن كواليس كتابته لهذه القصيدة التي تُعلي من شأن الإسلامبولي في حواراته مع الصحافي محمد توفيق والمنشورة في كتاب "الخال". يقول: "كنت حاسس إن رحيله في الوقت دا نعمة، بغض النظر عن أنه اغتيل، لأني ضد الاغتيال، ولأني كتبت في لحظة انفعال، خصوصاً أن عمر الاغتيال ما حل مشكلة، واللي هيغتال هييجي مكانه، وهيجيب واحد بعده أسوأ، وعنده عقدة إن اللي قبله اغتيل، لذلك أشعر الآن أني أخطأت، لكن وقتها استعدت كل البلاوي اللي شيلهالي بدون ذنب".

ومما كتبه أيضاً في قصيدة "المتهم": بطل يقول ويطول/ أسمر/ ولا يسابقه القفص في الطول/ من غير سؤال بيقرّ/ والقبضة قابضة عَ الحديد لا يفرّ/ القاضي يِسْتَغْبَى/ والمتهم بيصرّ/ شمس الحقيقه تحِرّ/ والمتهم صامد/ كل القضاة زايلين/ والمتهم... خالد.

التعليقات

المقال التالي